ابن كثير
302
البداية والنهاية
الحسن : ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق ، وفي رواية : إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن : كيف حبك الدينار والدرهم ؟ قال : لا أحبهما ، فكتب إليه : تول فإنك تعدل . وقال إبراهيم بن عيسى : ما رأيت أطول حزنا من الحسن ، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة ، وقال مسمع : لو رأيت الحسن لقلت : قد بث عليه حزن الخلائق . وقال يزيد بن حوشب : ما رأيت أحزن من الحسن وعمر بن عبد العزيز ، كأن النار لم تخلق إلا لهما . وقال ابن أسباط : مكث الحسن ثلاثين سنة لم يضحك ، وأربعين سنة لم يمزح . وقال : ما سمع الخلائق بعورة بادية ، وعين باكية مثل يوم القيامة . وقال : ابن آدم ! إنك ناظر غدا إلى عملك يوزن خيره وشره ( 1 ) ، فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه ، فإنك إذا رأيته غدا في ميزانك سرك مكانه . وقال : ذهبت الدنيا وبقيت أعمالكم قلائد في أعناقكم وقال : ابن آدم ! بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا ، وهذا مأثور عن لقمان أنه قال لولده . وقال الحسن : تجد الرجل قد لبس الأحمر والأبيض وقال : هلموا فانظروا إلي ، قال الحسن : قد رأيناك يا أفسق الفاسقين فلا أهلا بك ولا سهلا ، فأما أهل الدنيا فقد اكتسبوا بنظرهم إليك مزيد حرص على دنياهم ، وجرأة على شهوات الغنى في بطونهم وظهورهم . وأما أهل الآخرة فقد كرهوك ومقتوك . وقال : إنهم وإن هملجت بهم البراذين ، وزفرت بهم البغال ، وطئت أعقابهم الرجال ، إن ذل المعاصي لا يفارق رقابهم ، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه . وقال فرقد : دخلنا على الحسن فقلنا : يا أبا سعيد : ألا يعجبك من محمد بن الأهتم ؟ فقال : ماله ؟ فقلنا : دخلنا عليه آنفا وهو يجود بنفسه فقال : انظروا إلى ذاك الصندوق - وأومأ إلى صندوق في جانب بيته - فقال : هذا الصندوق فيه ثمانون ألف دينار - أو قال : درهم - لم أؤد منها زكاة ، ولم أصل منها رحما ، ولم يأكل منها [ محتاج ] . فقلنا : يا أبا عبد الله ، فلمن كنت تجمعها ؟ قال : لروعة الزمان ، ومكاثرة الاقران ، وجفوة السلطان . فقال : انظروا من أين أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه ، ومكاثرة أقرانه ، وجفوة سلطانه ؟ ثم قال : أيها الوارث : لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس ، جاءك هذا المال لم تتعب لك فيه يمين ، ولم يعرق لك فيه جبين ، جاءك ممن كان له جموعا منوعا ، من باطل جمعه ، من حق منعه ، ثم قال الحسن : إن يوم القيامة لذو حسرات ، الرجل يجمع المال ثم يموت ويدعه لغيره فيرزقه الله فيه الصلاح والانفاق في وجوه البر ، فيجد ماله في ميزان غيره . وكان الحسن يتمثل بهذا البيت في أول النهار يقول :
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، والعبارة مشوشة وفيه نقص ظاهر . والعبارة في صفة الصفوة 3 / 235 : فلا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه ولا تحقرن من الشر شيئا فإنك إذا رأيته ساءك مكانه .